في إحدى الليالي الشتوية الباردة، حين كنت أشغل منصب نائب مدير أحد المستشفيات العامة، وأتولى نوبة المدير المناوب، واجهت موقفًا لا يمكن أن أنساه. كانت ليلة غزيرة الأمطار، والهدوء الذي يسبق العاصفة كان يخفي خلفه خطرًا حقيقيًا.
على سطح المستشفى، كانت الكابلات الكهربائية قد تآكلت طبقة العزل الخاصة بها بفعل الزمن وعوامل التعرية والتعرض المستمر لأشعة الشمس. ومع هطول الأمطار الغزيرة، بدأت هذه الطبقة العازلة في الانهيار، حتى أصبحت الأسلاك مكشوفة وتلامست مع بعضها البعض، محدثة شررًا كهربائيًا وصوت فرقعة عنيفًا ينذر بكارثة وشيكة.
صعدت إلى السطح لأتفقد الوضع، فكان المشهد مرعبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم يكن الأمر مجرد عطل تقني، بل خطر حقيقي يهدد أرواح المرضى والعاملين داخل المستشفى.
بادرت بالاتصال بخط الطوارئ الخاص بشركة الكهرباء، إلا أن الرد كان صادمًا؛ حيث أفادوا بأن مسؤوليتهم تقتصر فقط على الأعطال خارج حدود المستشفى، ولا تمتد إلى ما بداخلها. في تلك اللحظة، لم أستوعب هذا المنطق، خاصة أن الحديث يدور عن منشأة طبية تضم أرواحًا بشرية لا تحتمل الانتظار أو التعقيد الإداري.
لم يكن أمامي خيار سوى الاتصال بشرطة النجدة، التي أرسلت بدورها سيارة من قوات الحماية المدنية. حضر اثنان من رجال الدفاع المدني، مشكورين على استجابتهم، رغم أن الموقف لم يكن ضمن نطاق اختصاصهم المباشر. حاولوا بكل ما لديهم من إمكانيات بسيطة — باستخدام أدوات خشبية — فصل الكابلات عن بعضها، كما حاولوا تحديد مصدر التيار الكهربائي لفصله، لكن دون جدوى.
في محاولة لتقليل الخطر، قمنا بتغطية الكابلات بكيس بلاستيكي مؤقت لتقليل وصول مياه الأمطار إليها، في حل بدائي فرضته الظروف.
وبعد عدة ساعات من التوتر، استيقظ أحد عمال النوبتجية، وبعد أن شرحت له ما حدث، أخبرني أنه يعرف موقع مفتاح فصل التيار. وبشجاعة تُحمد له، استخدم عصًا خشبية للوصول إلى المفتاح في ظل أرضية مبللة وخطرة، وتمكن بالفعل من فصل التيار الكهربائي، لينتهي أخطر جزء من الأزمة.
في صباح اليوم التالي، تم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمراجعة حالة العزل الكهربائي للكابلات، رغم صعوبة وتعقيد هذا الأمر، على أمل ألا يتكرر مثل هذا الموقف مرة أخرى.
إن التهاون في تطبيق معايير السلامة — في أي مؤسسة، سواء كانت عامة أو خاصة، صغيرة أو كبيرة — أمر لا يمكن قبوله تحت أي ظرف. فالإهمال في هذه الجوانب لا يؤدي فقط إلى أعطال، بل قد يتسبب في كوارث حقيقية تهدد الأرواح.
كما أن غياب جهة مختصة قادرة على التدخل الفوري في مثل هذه الحالات داخل المؤسسات يمثل خللًا واضحًا في منظومة إدارة الأزمات. ولا يصح أن تُترك مثل هذه المواقف لتُعالج بجهود فردية أو بالاعتماد على الحماية المدنية وحدها، خاصة وأن لديها مهام أكبر وأكثر خطورة قد تتطلب تدخلها في نفس التوقيت.
لهذا لا تستغرب ان تقوم هيئة جودة الرعاية الصحية للتأمين الصحي الشامل ( GAHAR ) في اساسيات تقييمها بوضع معايير السلامه في قائمة اولوياتها و تشدد بشكل صارم على استيفاء هذه المتطلبات
الأزمات لا تعلن عن نفسها مسبقًا ، و لولا ستر من الله لكنت انا ومن معي محل المسؤولية منشورة اسماؤنا صباح اليوم التالي في نعي العاملين بوزارة الصحة