لماذا تفشل كثير من الشركات المصرية في الوصول للعالمية؟
دعنا نتحدث بصراحة: المشكلة ليست في السوق، ولا في نقص الموارد، ولا حتى في المنافسة. المشكلة الحقيقية تبدأ من طريقة التفكير منذ اللحظة الأولى لتأسيس المشروع. كثير من الشركات في مصر تُبنى بعقلية “نغطي التكاليف ونحقق دخلًا مستقرًا”، وليس بعقلية “نبني كيانًا قادرًا على التأثير والتوسع عالميًا”. هذه البداية وحدها كفيلة بوضع سقف منخفض لأي مشروع قبل أن يبدأ.
المؤسس في كثير من الأحيان لا يرى مشروعه ككيان يمكن أن يترك أثرًا، بل كوسيلة لتحقيق الأمان المالي. هذه النظرة لا تُنتج فقط شركات محدودة، بل تُنتج أيضًا رؤى ضعيفة. فبدلًا من التفكير في كيف يمكن للمنتج أو الخدمة أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس، ينحصر التفكير في مجرد البقاء والاستمرار. وهنا تكمن المشكلة: الشركات التي تُبنى بهدف “الأمان” نادرًا ما تصنع مجدًا.
لكن هناك بُعد أعمق من ذلك، وهو أن كثيرًا من هذه الشركات تتجاهل — أو لا تدرك من الأساس — أنها تخضع لقانون طبيعي لا يمكن الهروب منه: قانون دورة الحياة. فكما أن الإنسان يمر بمراحل من الميلاد إلى النمو ثم القوة ثم التراجع، فإن الشركات تمر بالمراحل نفسها، سواء أدركت ذلك أم لا.
تبدأ الشركة بمرحلة الميلاد، حيث الحماس والطاقة، لكنها تعاني من محدودية الموارد وعدم وضوح الرؤية بالكامل. ثم تدخل مرحلة النمو، حيث تبدأ في إثبات نفسها، ويزداد حجم العمل والعملاء. ومع الوقت تصل إلى مرحلة القوة، حيث الاستقرار والأرباح والاسم في السوق. وهنا، تحديدًا، يحدث الفارق الحقيقي.
مرحلة القوة ليست نهاية الرحلة، بل هي أخطر نقطة تحول. في هذه المرحلة، تمتلك الشركة كل ما تحتاجه للانطلاق: المال، الخبرة، الثقة، والفرص. ومع ذلك، تختار كثير من الشركات التوقف. تكتفي بالنجاح المحلي، تخاف من المخاطرة، وتفضّل الاستقرار على التوسع. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن التوقف في عالم متغير يعني التراجع — حتى وإن لم يظهر ذلك فورًا.
ومع مرور الوقت، يتحول هذا التباطؤ إلى جمود، ثم إلى تراجع تدريجي. تبدأ القرارات في البطء، تقل القدرة على التكيف، وتظهر شركات أخرى أكثر مرونة واستعدادًا للنمو. هذا التراجع لا يحدث فجأة، بل يتسلل بهدوء، وغالبًا لا تلاحظه الإدارة إلا بعد فوات الأوان.
الحقيقة الصادمة أن كثيرًا من الشركات لا تفشل لأنها لم تسعى بصدق للنجاح، بل لأنها لم تستغل لحظة قوتها. لم تُدرك أن هذه المرحلة هي الفرصة الوحيدة لإعادة بناء نفسها، والدخول في دورة حياة جديدة أكثر قوة واتساعًا. بدلًا من ذلك، تتعامل مع النجاح وكأنه محطة نهائية، وليس نقطة انطلاق.
وفي النهاية، تصل هذه الشركات إلى مرحلة الانحدار، حيث تفقد مكانتها تدريجيًا، وقد تختفي تمامًا، ليس بسبب المنافسة فقط، بل بسبب قراراتها السابقة ونظرتها المحدودة لنفسها.
الخلاصة أن المشكلة ليست في الإمكانيات، بل في الرؤية. إذا بدأت الشركة بهدف البقاء، فستبقى محدودة. أما إذا بدأت برؤية واضحة لصنع تأثير حقيقي، واستوعبت أنها كائن حي يجب أن ينمو ويتجدد باستمرار، فستمتلك فرصة حقيقية للخروج من الإطار المحلي والدخول إلى المنافسة العالمية.