ليست كل التجارب المهنية تُقاس باستمراريتها، فبعضها يترك أثرًا عميقًا رغم قصر مدته. ومن بين هذه التجارب، كانت مشاركتي في مشروع متابعة مرضى السكري داخل مستشفى الجمهورية العام تجربة تستحق أن تُروى.
كان الهدف من المشروع تقديم نموذج متكامل لرعاية مرضى السكري، من خلال عيادات خارجية متخصصة لا تقتصر فقط على متابعة مستوى السكر في الدم، بل تمتد لتشمل الجوانب المرتبطة بالمرض، مثل أمراض العيون (الرمد)، والاعتلالات العصبية، وغيرها من المضاعفات التي تتطلب متابعة دقيقة ومستمرة.
تم تكليفي من قبل إدارة العلاجي بالمديرية، وبالتعاون مع إدارة المستشفى، بتجهيز البنية التحتية التقنية للمشروع. وكان دوري يتمحور حول عدة محاور أساسية:
- إنشاء شبكة داخلية (Internal Network) تربط بين أقسام المشروع المختلفة.
- تشغيل خادم (Server) يعمل بنظام Linux Ubuntu داخل المستشفى.
- تثبيت واستخدام برنامج مفتوح المصدر لإدارة بيانات المرضى، بما يضمن تسجيل ومتابعة الحالات بشكل منظم وآمن.
ومن التحديات المهمة التي واجهتني، أن هناك اشتراطًا واضحًا بعدم إتاحة البيانات خارج المستشفى، وهو ما فرض الاعتماد الكامل على شبكة داخلية مغلقة. هذا الأمر كان يعني أنني كنت مضطرًا للتواجد والعمل داخل المستشفى بشكل مباشر، حيث لم يكن من الممكن الوصول للنظام أو العمل عليه عن بُعد.
ورغم هذه التحديات، تم تنفيذ المطلوب بنجاح، وبدأ التشغيل الفعلي للمشروع، مع وجود نظام تقني متكامل يدعم متابعة المرضى بشكل فعّال.
ومن الجدير بالذكر أن هذا العمل تم في إطار عملي الحكومي، دون أي أجر إضافي، إيمانًا مني بأهمية الفكرة، خاصة أن المشروع كان قائمًا على التبرعات، مما جعله محدود التمويل، وكان من الصعب تنفيذ هذه البنية التقنية بالطرق التقليدية.
لكن، وعلى الرغم من نجاح التنفيذ من الناحية التقنية والتشغيلية، لم يستمر المشروع لفترة طويلة.
السبب الرئيسي – من وجهة نظري – لم يكن تقنيًا، بل كان مرتبطًا بضعف الإقبال من المرضى على العيادات. وربما يعود ذلك إلى عوامل تسويقية، أو ضعف الوعي بالخدمة، أو غياب الترويج الكافي داخل المجتمع المستهدف.
وهنا كانت واحدة من أهم الدروس التي خرجت بها:
نجاح أي مشروع لا يعتمد فقط على جودة التنفيذ، بل على تكامل جميع عناصره، وعلى رأسها الوصول إلى المستفيدين.
قد تبني نظامًا قويًا، وتجهز بنية تحتية ممتازة، لكن بدون تفاعل حقيقي من المستخدمين، لن يكتمل النجاح.
ورغم أن المشروع لم يستمر، إلا أن التجربة نفسها كانت ثرية. تعلمت منها أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، وأن الإدارة والتسويق والتوعية تلعب أدوارًا لا تقل أهمية عن التنفيذ.
في النهاية، أؤمن أن كل تجربة — ناجحة كانت أو غير مكتملة — تضيف لنا زاوية فهم جديدة، وتقرّبنا خطوة من بناء مشاريع أكثر نضجًا في المستقبل.