ليست كل الأفكار الجيدة ترى النور حتى النهاية، وبعض المشاريع — رغم نجاحها تقنيًا — قد تتوقف قبل أن تتحول إلى واقع فعلي. وهذه واحدة من تلك التجارب التي عشتها مؤخرًا أثناء عملي في إدارة إحدى المؤسسات الصحية.
كان أحد الإجراءات المعتادة داخل المؤسسة هو تسليم المرضى أقراص CD أو DVD تحتوي على الصور الطبية والبيانات الخاصة بهم بعد انتهاء الإجراءات. ورغم أن هذه الطريقة كانت شائعة لسنوات، إلا أنها أصبحت مع الوقت أقل كفاءة، خاصة مع تطور وسائل التخزين وسهولة الاعتماد على الحلول السحابية.
لكن التحدي كان واضحًا:
الإمكانيات محدودة، ولا يوجد نظام جاهز للتحول الرقمي الكامل.
بدأت التفكير في حل بديل بسيط وعملي، لا يحتاج إلى استثمارات كبيرة، ويمكن تطبيقه باستخدام الأدوات المتاحة.
قمت بتصميم نموذج أولي (Prototype) يعتمد على فكرة:
- تجميع بيانات المريض تلقائيًا من النظام الموجود
- ضغطها في ملف واحد (ZIP)
- رفعها إلى مساحة تخزين سحابية مجانية عبر Google Drive
- إنشاء رابط (Link) خاص بكل مريض
- توليد اسم مستخدم وكلمة مرور بشكل تلقائي
- طباعة هذه البيانات وتسليمها للمريض بدلًا من الـ CD
بمعنى آخر، تحولت تجربة استلام البيانات من وسيلة تقليدية مادية إلى تجربة رقمية آمنة وسهلة الوصول.
والأهم من ذلك، أن العملية كانت شبه مؤتمتة بالكامل، مما قلل التدخل البشري وسرّع من تنفيذها.
وبالفعل، نجح النموذج الأولي، وأثبت أن الفكرة قابلة للتطبيق.
لكن… لم يكتمل المشروع.
قبل أن يتم تحويل هذا النموذج إلى نظام فعلي داخل المؤسسة، قررت إنهاء عملي هناك. وكان أحد الأسباب التي جعلتني أتردد في دفع المشروع إلى مرحلة التنفيذ الكامل هو إدراكي لمسؤولية ما بعد الإطلاق.
كنت مدركًا أن أي نظام — مهما كان بسيطًا — يحتاج إلى:
- صيانة مستمرة
- متابعة
- دعم فني عند حدوث أي مشكلات
وفي ظل غيابي، لم أكن واثقًا من وجود من سيتولى هذه المسؤولية بنفس الكفاءة، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات مستقبلية تؤثر على العمل.
لذلك، بقيت الفكرة في إطار “نموذج ناجح”… لكنها لم تتحول إلى تطبيق مستدام.
ما تعلمته من هذه التجربة:
- ليس كل نجاح تقني يعني بالضرورة نجاحًا عمليًا مستدامًا
- التفكير في “ما بعد التنفيذ” لا يقل أهمية عن التنفيذ نفسه
- أحيانًا يكون التراجع عن الإطلاق قرارًا أكثر مسؤولية من المضي قدمًا بدون ضمان الاستمرارية
ورغم أن المشروع لم يكتمل، إلا أنه أكد لي مرة أخرى أن الحلول البسيطة، إذا تم توظيفها بشكل ذكي، يمكن أن تُحدث نقلة حقيقية — حتى في بيئات محدودة الإمكانيات.